الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

255

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمنافع : جمع منفعة ، وهي مفعلة من النفع ، وهي : الشيء الذي ينتفع به ، أي يستصلح به . فالمنافع في هذه الآية أريد بها ما قابل منافع أكل لحومها في قوله : وَمِنْها تَأْكُلُونَ مثل الانتفاع بأوبارها وألبانها وأثمانها وأعواضها في الديات والمهور ، وكذلك الانتفاع بجلودها باتخاذها قبابا وغيرها وبالجلوس عليها ، وكذلك الانتفاع بجمال مرآها في العيون في المسرح والمراح ، والمنافع شاملة للركوب الذي في قوله : لِتَرْكَبُوا مِنْها ، فذكر المنافع بعد لِتَرْكَبُوا مِنْها تعميم بعد تخصيص كقوله تعالى : وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [ طه : 18 ] بعد قوله : هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها [ طه : 18 ] ، فذكر هنا الشائع المطروق عندهم ثم ذكر مثيله في الشيوع وهو الأكل منها ، ثم عاد إلى عموم المنافع ، ثم خص من المنافع الأسفار ، فإن اشتداد الحاجة إلى الأنعام فيها تجعل الانتفاع بركوبها للسفر في محل الاهتمام . ولما كانت المنافع ليست منحصرة في أجزاء الأنعام جيء في متعلقها بحرف ( في ) دون ( من ) لأن ( في ) للظرفية المجازية بقرينة السياق فتشمل كل ما يعدّ كالشئ المحوي في الأنعام ، كقول سبرة بن عمرو الفقعسي من شعراء الحماسة يذكر ما أخذه من الإبل في دية قريب : نحابي بها أكفاءنا ونهينها * ونشرب في أثمانها ونقامر وأنبأ فعل لِتَبْلُغُوا أن الحاجة التي في الصدور حاجة في مكان بعيد يطلبها صاحبها . والحاجة : النية والعزيمة . والصدور أطلق على العقول اتباعا للمتعارف الشائع كما يطلق القلوب على العقول . وأعقب الامتنان بالأنعام بالامتنان بالفلك لمناسبة قوله : وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ فقال : وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ، وهو انتقال من الامتنان بجعل الأنعام ، إلى الامتنان بنعمة الركوب في الفلك في البحار والأنهار فالمقصود هو قوله : وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ . وأما قوله : وَعَلَيْها فهو تمهيد له وهو اعتراض بالواو الاعتراضية تكريرا للمنّة ، على أنه قد يشمل حمل الأثقال على الإبل كقوله تعالى : وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ [ النحل : 7 ] فيكون إسناد الحمل إلى ضمير الناس تغليبا . ووجه الامتنان بالفلك أنه امتنان بما ركّب اللّه في الإنسان من التدبير والذكاء الذي توصل به إلى المخترعات النافعة بحسب مختلف العصور والأجيال ، كما تقدم في سورة البقرة [ 164 ] عند قوله تعالى : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ الآيات ، وبيّنا هنالك أن العرب كانوا يركبون البحر الأحمر في التجارة ويركبون الأنهار أيضا قال